حسن الأمين

137

مستدركات أعيان الشيعة

ويأخذ عليها تنكرها ، وتقلب أحوالها من مكاشفة إلى صداقة ، ومن رفاهية إلى إضافة ، ومن فرج إلى إعسار ، وما إلى ذلك . ويستوحى معانيه الشعرية من هذا الباب من نظره إلى القبور الدوارس ، وقد أثارت شعوره مرة مرأى المقبرة العتيقة المجاورة لمسجد براثا فاستوحى خشوعها ودثورها ، ومظهر العبرة فيها بقصيدة حسنة فإذا هو في هذا الموقف ذلك الامام الذي يأبى إلا أن ينم عليه شعره ، فكم من شاعر يا ترى مر بهذه المقبرة - مقبرة مسجد براثا - قبل الشريف المرتضى وبعده فلم يستوحها ولو ببيت واحد من الشعر ، وفي هذه القصيدة يقول : إني مررت على جنادل فوق أرماس دروس فكأنهن من البلى آثار نقس في طروس كم ضمنت من ضيغم قرم إلى قنص النفوس وغرير ماء الوجنتين كريم ناحية الجليس وكأنهم لخفوتهم شرب تساقوا بالكؤوس تخذوا الثرى فرشا لهم وتوسدوا قلل الرؤس يا للثرى كم فيه من علق يضن به نفيس ! وشعره من هذا القبيل يذكرنا ببعض خطب الإمام علي عندما كان يزور المقابر ، ولا شك أن الشريف المرتضى ورث هذه النظرة إلى الحياة فيما ورث عن أجداده عليهم أفضل الصلاة والسلام . مدفن المرتضى قال الدكتور مصطفى جواد : ذكر أبو العباس أحمد بن علي بن العباس المعروف بالنجاشي في كتابه « رجال الشيعة » - ص 193 - أن الشريف المرتضى صلى عليه ابنه في داره ودفن فيها ، قال : « وتوليت غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز » . وقال ابن عنبة في « عمدة الطالب » - ص 182 - : « ودفن المرتضى في داره ثم نقل إلى كربلاء فدفن عند أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة » . ونقل أبو علي في كتابه « منتهى المقال في أحوال الرجال » - ص 224 - ما ذكره النجاشي في كتابه من دفن المرتضى في داره قول صاحب « تنزيه ذوي العقول » : « ثم نقل إلى جوار جده الحسين - ع - » . وقد أظهرت في العصر الأخير في الكاظمية خارج سور المشهد الكاظمي تربة كتب عليها أنها تربة الشريف المرتضى ثم أظهرت بالقرب منها تربة سميت تربة الشريف الرضي ، مع أن أكثر المؤرخين الذين ترجموهما ذكروا نقلهما من داريهما إلى المشهد الحسيني بكربلاء . ولا تخلو تسمية التربة في الكاظمية بتربة المرتضى من أمرين أحدهما أنه كان هناك في التربة ضريح غير معروف دفينه ، فانبرى لها أحد البعيدين عن التحقيق والتدقيق فنسبها إلى المرتضى ، والآخر أن التربة كانت تسمى « تربة المرتضى » أو « تربة ابن المرتضى » فحذفت لفظة « ابن » من التسمية . فإن كان اسمها « تربة المرتضى » فليس دفينها الشريف المرتضى بل « إبراهيم المرتضى » قال مؤلف غاية الاختصار « 54 - 50 » في ترجمة موسى بن إبراهيم الموسوي : « كان صالحا متعبدا ورعا فاضلا يروى الحديث . . . توفي ببغداد وقبره بمقابر قريش » يعنى الكاظمية أو المشهد الكاظمي ) مجاورا لأبيه وجده - ع - فحصت عن قبره فدللت عليه وإذا موضعه في دهليز حجرة صغيرة ملك مبارك الجوهري الهندي ( 1 ) وأبوه « إبراهيم المرتضى » كان سيدا جليلا عالما فاضلا روى الحديث عن آبائه - ع - ومضى إلى اليمن وتغلب عليها في أيام أبي السرايا ، ويقال إنه ظهر داعيا لأخيه الرضا - ع - فبلغ المأمون ذلك فشفعه فيه وتركه . توفي في بغداد وقبره بمقابر قريش عند أبيه - ع - في تربة مفردة معروفة - قدس الله روحه ونور ضريحه - « . وعلى هذا تكون تربة المرتضى القائمة اليوم عند المشهد الكاظمي خارج السور للسيد إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى بن جعفر - ع - ولا يخفى على اللبيب قول مؤلف الغاية « وقبره في تربة مفردة معروفة » . وعلى القول الثاني أعنى أن تسمية التربة كانت « تربة ابن المرتضى » تكون للسيد علي بن المرتضى الحسني المعروف بالأمير السيد ، قال مجد الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار المؤرخ المحدث المشهور : « علي بن المرتضى بن علي بن محمد ابن الداعي زيد بن حمزة بن علي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد السيلقي بن الحسن بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الحسن بن أبي الحسين بن أبي تغلب العلوي الحسني المعروف بالأمير السيد . ولد جده بنيسابور وكذلك والده المرتضى ونشا بأصبهان ثم قدم بغداد ، وولد له علي هذا بها وقرأ الفقه على مذهب أبي حنيفة حتى برع فيه وفي الخلاف ، وقرأ الأدب وحصل منه طرفا صالحا ، وسمع الحديث ، ثم ولي التدريس بجامع السلطان ( 2 ) وانتهت إليه رئاسة أصحاب الرأي . وكان عالما بالمذهب متدينا زاهدا في الرتب والولايات المنيفة كريم النفس ، كانت داره مجمعا لأهل العلم والأدب وكان يكتب خطا مليحا وله كتب كثيرة أصول بخطوط العلماء سمع . . . وحدث باليسير ، سمع منه القاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي وعمر حتى أدركناه ولم يتفق لنا منه سماع . قرأت في الخريدة لأبي عبد الله الكاتب ( الأصبهاني ) بخطه للأمير السيد علي بن المرتضى : صن حاضر الوقت عن تضييعه ثقة أن لا بقاء لمخلوق على الدوم وهبك أنك باق بعده أبدا ( فلن يعود علينا عين ذا اليوم ) وله أيضا :

--> ( 1 ) اسم جده « هندي » لا أنه من الهنود ، قال مؤلف الغاية المذكور في ص 90 - : « وبيت هندي منهم نجم الدين أبو جعفر النقيب الطاهر تولى النقابة بمقابر [ قرش ] قريش زمن ابن الجويني ثم رتب كاتب السيب ثم عزل وكان يقيم بالحلة ، وللفقر عليه أثر ظاهر ، يكتب خطا ويقول شعرا لا بأس بهما » . ومبارك الهندي ورد ذكره في حوادث سنة « 674 » من التاريخ الذي سميناه الحوادث الجامعة ، قال مؤلفه - ص 385 - : « وفيها عزل أمين الدين مبارك الهندي الجوهري من نقابة مشهد موسى بن جعفر - ع - وعين في النقابة نجم الدين علي بن الموسوي . ولما كان مبارك المذكور نقيبا قال فيه بعض الشعراء . رأيت في النوم إمام الهدى موسى حليف الهم والوجد يقول ما تنكبني نكبة إلا من الهند أو السند تحكم السندي في مهجتي وحكم الهندي في ولدي فلعنة الله على من به تحكم السندي والهندي . ( 2 ) هو جامع السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي وكان في محلة درب السلطنة السلجوقية بالمخرم أي محلة العلوازية الحالية ، وقد ذهب ولم يبق من آثاره وأطلاله شيء ، وكان مدرسة للفقه الحنفي ، وكان مدرسه ذا رتبة سامية .